خرج
والد عمار بن ياسر من بلده اليمن يريد أخا له
، يبحث عنه ، وفي
مكة طاب له المقام فحالف أبا حذيفة بن المغيرة
، وزوجه أبو حذيفة إحدى
إمائه ( سمية بنت خياط ) ورزقا بابنهما ( عمار
) ، وكان إسلامهم مبكراً
اسلامه
يقول
عمار بن ياسر -رضي الله عنه- :( لقيت صهيب بن
سنان على باب دار الأرقم ، ورسول الله -صلى
الله عليه وسلم- فيها 000
فقلت له : ماذا
تريد ؟000
فأجابني : ماذا تريد أنت ؟000
قلت له : أريد أن أدخل على محمد ،
فأسمع ما يقول000
قال : وأنا أريد ذلك000
|
فدخلنا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
فعرض علينا الاسلام ، فأسلمنا ثم مكثنا على
ذلك حتى أمسينا ، ثم خرجنا ، ونحن مستخفيان
)000فكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلاً000
العذاب
وشأن
الأبرار المُبَكّرين أخذ آل ياسر نصيبهم
الأوفى من عذاب قريش وأهوالها ، ووُكل أمر
تعذيبهم إلى بني مخزوم ، يخرجون بهم جميعا
ياسر و سمية وعمار كل يوم الى رمضاء مكة
الملتهبة ويصبون عليهم من جحيم العذاب ، وكان
الرسول -صلى الله عليه وسلم- يخرج كل يوم الى
أسرة ياسر مُحييا صمودها وقلبه الكبير يذوب
رحمة وحنانا لمشهدهم ، وذات يوم ناداه عمار :(
يا رسول الله ، لقد بلغ منا العذاب كُلَّ مبلغ
)000فناداه الرسول -صلى الله عليه وسلم- :(
صبرا أبا اليَقْظان ، صبرا آل ياسر فإن
موعـدكم الجنة )000
ولقد وصـف أصحاب عمار العذاب الذي نزل به
000فيقول عمـرو بن ميمون :( أحرق المشركون
عمار بن ياسر بالنار ، فكان الرسول -صلى الله
عليه وسلم- يمر به ، ويُمر يده على رأسه ويقول
: يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت
بردا وسلاما على إبراهيم )000و يقول عمرو بن
الحكم :( كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول
)000وقد فقد وعيه يوما فقالوا له :( اذكر
آلهتنا بخير )000وأخذوا يقولون له وهو يردد
وراءهم من غيـر شعور000وبعد أن أفاق من
غيبوبتـه وتذكر ما كان طار صوابـه ، فألفاه
الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- يبكي فجعل يمسح
دموعه بيده ويقول له :( أخذك الكفار فغطوك في
الماء فقلت : كذا وكذا ؟)000أجاب عمار وهو
ينتحب :( نعم يا رسول الله )000فقال له الرسول
-صلى الله عليه وسلم- وهو يبتسم :( إن عادوا
فقل لهم مثل قولك هذا )000ثم تلا عليه الآية
الكريمة
قال
تعالى :( مَنْ كَفَرَ باللهِ من بعد إيمانِهِ
إلا من أُكْرِه وقلبُهُ مُطْمَئِنٌ بالإيمان
)000سورة النحل (106)000
واسترد عمار سكينة نفسه ، وصمد أمام
المشركين000وعن عثمان بن عفان قال : أقبلت أنا
ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- آخذٌ بيدي
نتماشى في البطحاء حتى أتينا على أبي عمّار
وعمّار وأمه ، وهو يُعَذّبون فقال ياسر :(
الدهرُ هكذا ؟)000فقال له النبي -صلى الله
عليه وسلم- :( اصْبِرْ ، الّلهمّ اغْفِر لآلِ
ياسر ، وقد فعلتْ )000
الهجرة
وهاجر عمّار ( أبو اليقظان)-رضي الله عنه-
الهجرة الثانية إلى الحبشة ، ولمّا هاجر من
مكة إلى المدينة نزل على مُبَشِّر بن عبد
المنذر ، وآخر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
بين عمّار بن ياسر وحُذيفة بن اليمان ، وشهد
عمّار بدراً والمشاهـد كلها ، وهو أول من اتخذ
في بيته مسجداً يُصلي فيه000
حب الرسول
لعمّار
استقر المسلمون بعد الهجرة في المدينة ، وأخذ
عمار مكانه عاليا بين المسلمين ، وكان الرسول
-صلى الله عليه وسلم- يحبه حبا عظيما ، يقول
عنه -صلى الله عليه وسلم- ( إن عمّارا مُلِىء
إيمانا إلى مُشاشه -تحت عظامه- )000وحين كان
الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يبنون
المسجد بالمدينة إثر نزولهم ، إرتجز علي بن
أبي طالب أنشودة راح يرددها ويرددها المسلمون
معه ،وأخذ عمار يرددها ويرفع صوته ،وظن بعض
أصحابه أن عمارا يعرض به ، فغاضبه ببعض القول
فغضب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال :( ما
لهم ولعمّار ؟000يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى
النار ، إن عمّارا جِلْدَة ما بين عيني وأنفي
)000
وعن أبي سعيد قال : كنّا نحملُ في بناء المسجد
لبنةً لبنةً ، وعمار يحمل لبنتَين لبنتَين ،
فرآهُ النبي -صلى الله عليه وسلم- فجعل ينفُض
التراب عنه ويقول :( ويْحَ عمّار يدعوهم إلى
الجنّة ويدعونه إلى النار )000
وحين وقع خلاف عابر بين خالد بن الوليد وعمّار
قال الرسول :( من عادى عمّارا عاداه الله ،
ومن أبغض عمّارا أبغضه الله )000فسارع خالد
إلى عمار معتذرا وطامعا بالصفح000كما قال
-عليه أفضل الصلاة والسلام-:( اشتاقت الجنّةِ
إلى ثلاثة : إلى علي ، وعمّار وبلال )000
إيمانه
لقد
بلغ عمار في درجات الهدى واليقين ما جعل
الرسول -صلى الله عليه وسلم- يُزَكي إيمانه
فيقول :( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر
، واهتدوا بهدي عَمّار )000وقال الرسول -صلى
الله عليه وسلم- :( ابن سُميّة ما عُرِضَ عليه
أمرٌ إلا اختار أشدَّهُما )000وقال رسـول
اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- :( عمّار يزولُ
مع الحقّ حيثُ يزول )000
كما أن حذيفة بن اليمان وهو يعالج سكرات الموت
سأله أصحابه :( بمن تأمرنا إذا اختلف الناس
)000فأجابهم :( عليكم بابن سمية ، فإنه لا
يفارق الحق حتى يموت )000وقد سمع رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- يقول :( أبو اليقظان على
الفطرة لا يَدَعُها ، حتى يموتَ أو يمسّه
الهرمُ )000وعن علي قال : سمعتُ رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- يقول :( دمُ عمّار ولحمه
حرام على النّار أن تطعمه )000
نبوءة الرسول
أثناء بناء مسجد الرسـول -صلى الله عليه وسلم-
أخذ الحنان الرسـول الكريـم الى عمار ، فاقترب
منه ونفض بيده الغُبار الذي كسـى رأسه ، وتأمل
الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجه عمار الوديع
المؤمن ثم قال على ملأ من أصحابه :( وَيْحَ
ابن سمية ، تقتله الفئة الباغية )000وتتكرر
النبوءة حين يسقط الجدار على رأس عمار فيظن
بعض إخوانه أنه مات ، فيذهب الى الرسول ينعاه
، فيقول الرسول -صلى الله عليه سلم- بطُمأنينة
وثقة :( ما مات عمار ، تقتل عماراَ الفئة
الباغية )000
قتال الإنس
والجن
قال
عمّار بن ياسر :( قد قاتلت مع رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- الإنس والجن )000فقيل له :(
ما هذا ؟ قاتلت الإنس فكيف قاتلت الجنَّ
؟)000قال :( نزلنا مع رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- منزلاً فأخذتُ قِرْبَتي ، ودَلْوي
لأستقي ، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- :( أما أنه سيأتيكَ آتٍ يمنَعُكَ مِنَ
الماء )000فلمّا كنتُ على رأس البئر إذا رجلٌ
أسودٌ كأنه مَرَسٌ فقال :( لا والله لا تستقي
منها ذَنوباً واحداً )000فأخذته فصرعتَهُ ، ثم
أخذتُ حجراً فكسـرتُ به أنفه ووجهـهُ ، ثم
ملأتُ قِرْبَتـي فأتيتُ بها رسـول الله -صلى
الله عليه وسلم- فقال :( هل أتاك على الماء من
أحد ؟)000فقلتُ :( عبدٌ أسودٌ )000 فقال :(
ماصنعت به ؟)000فأخبرته فقال :( أتَدْري مَنْ
هو ؟)000قلتُ :( لا )000قال :( ذاك الشيطان ،
جاء يمنعُكَ من الماء !!)000
يوم اليمامة
بعد
وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- واصل عمار
تألقه في مواجهة جيوش الردة والفرس والروم ،
وكان دوما في الصفوف الأولى ، وفي يوم اليمامة
انطلق البطل في استبسـال عاصف ، وإذا يرى
فتـور المسلمين يرسل بين صفوفـهم صياحه
المزلزل فيندفعون كالسهام ، يقول عبـد الله بن
عمـر :( رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على
صخـرة ، وقد أشرف يصيح :( يا معشر المسلمين
أمِـن الجنة تفـرّون ؟000أنا عمار بن ياسر
هلُمّـوا إلي)000فنظرت إليه فإذا أذنه مقطوعة
تتأرجح ، وهو يقاتل أشد القتال )000
ولاية الكوفة
لفضائله -رضي الله عنه- سارع عمر بن الخطاب
واختاره والياً للكوفة وجعل ابن مسعود معه على
بيت المال ، وكتب الى أهلها مبشرا :( إني أبعث
إليكم عمَّار بن ياسر أميرا ، وابن مسعود
مُعَلما ووزيرا ، وإنهما لمن النجباء من أصحاب
محمد ومن أهل بدر )000يقول ابن أبي الهُذَيْل
وهو من معاصري عمار في الكوفـة :( رأيت عمار
بن ياسر وهو أميـر الكوفة يشتري من قِثائها ،
ثم يربطها بحبـل ويحملها فوق ظهـره ويمضي بها
الى داره )000كما ناداه أحد العامة يوما :( يا
أجدع الأذن )000فيجيبه الأمير :( خَيْر أذنيّ
سببت ، لقد أصيبت في سبيل الله )000
عمار والفتنة
وجاءت الفتنة ووقع الخلاف بين علي -كرم الله
وجهه- ومعاوية ، فوقف عمار الى جانب علي بن
أبي طالب مُذعنا للحق وحافظا للعهد ، وفي يوم
صِفِّين عام 37 هجري خرج عمار مع علي بن أبي
طالب وكان عمره ثلاثا وتسعين عاما ، وقال
للناس :( أيها الناس سيروا بنا نحو هؤلاء
القوم الذين يزعمون أنهم يثأرن لعثمان ،
ووالله ما قصدهم الأخذ بثأره ، ولكنهم ذاقوا
الدنيا ، واستمرءوها وعلموا أن الحق يحول
بينهم وبين ما يتمرّغون فيه من شهواتهم
ودنياهم ، وما كان لهؤلاء سابقة في الإسلام
يستحقون بها طاعة المسلمين لهم ولا الولاية
عليهم ، ولا عرفت قلوبهم من خشية الله ما
يحملهم على اتباع الحق ، وإنهم ليخدعون الناس
بزعمهم أنهم يثأرون لدم عثمان ، وما يريدون
إلا أن يكونوا جبابرة وملوكا )000
ثم أخذ الرايـة بيده ورفعهـا عاليا وصـاح في
الناس :( الجنّة تحت البارقة ، الظمآنُ قد
يَرِدُ الماءَ المأمور وذا اليوم ألْقى
الأحبّة محمداً وحِزْبَه ، والله لو ضربونا
حتى يُبلّغونا سعفات هَجَر لعلمتُ أنّا على
حقّ وأنّهم على باطل ، والله لقد قاتلتُ بهذه
الراية ثلاث مرّات مع رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- ، وما هذه المرّة بأبرّهنّ ولا
أنقاهُنّ )000
تحقق نبوءة
الرسول
كان
عمار بن ياسر وهو يجول في المعركة يؤمن أنه
واحد من شهدائها ، وكانت نبوءة الرسول -صلى
الله عليه وسلم- أمام عينيه :( تقتل عماراَ
الفئة الباغية )000من أجل هذا كان يغرد قائلا
:( اليوم ألقى الأحبة محمدا وصحبه )000ولقد
حاول رجال معاوية أن يتجنبوا عمَّارا ما
استطاعوا ، حتى لا تقتله سيوفهم فيتبين للناس
أنهم الفئة الباغية ، ولكن شجاعة عمار ابن
الثالث والتسعين وقتاله كجيش لوحده أفقدهم
صوابهم حتى إذا تمكنوا منه أصابوه ، وانتشر
الخبر ، وتذكر الناس نبوءة الرسول -صلى الله
عليه وسلم- فزادت فريق علي بن أبي طالب إيمانا
بأنهم على الحق ، وحدثت بلبلة في صفوف معاوية
، وتهيأ الكثير منهم للتمرد والإنضمام الى علي
، فخرج معاوية خاطبا فيهم :( إنما قتله الذين
خرجوا به من داره ، وجاءوا به الى القتال
)000وانخدع الناس واستأنفت المعركة000
وقد شهد خُزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسلُّ
سيفاً ، وشهد صفّين وقال :( أنا لا أصلُ أبداً
حتى يُقتل عمّارٌ فأنظر مَنْ يقتلُهُ ، فأني
سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :(
تقتلهُ الفئة الباغية )000فلما قُتِلَ عمّار
بن ياسر قال خزيمة :( قد بانت لي الضلالة
)000واقترب فقاتل حتى قُتِلَ000
الشهيد
حمل
الإمام علي عماراً فوق صدره الى حيث صلى عليه
والمسلمـون معه ، ثم دفنه في ثيابه ، ووقف
المسلمون على قبـره يعجبون ، فقبل قليـل كان
يغـرد :( اليوم ألقى الأحبة محمدا وصحبه
)000وتذكروا قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-
:( اشتاقت الجنة لعمّار )000
وقد قال عليّاً -رضي الله عنه- حين قُتِلَ
عمّار :( إنّ امْرأً من المسلمين لم يَعْظُمْ
عليه قتلُ ابن ياسر وتدخلُ به عليه المصيبةُ
الموجعةُ لغيرُ رشيد ، رحِمَ الله عمّاراً يوم
أسلمَ ، ورحِمَ الله عمّاراً يوم قُتِلَ ،
ورحِمَ الله عمّاراً يوم يُبْعث حيّاً ، لقد
رأيتُ عمّاراً وما يُذْكَرُ من أصحاب رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- أربعةٌ إلا كان
رابعاً ولا خمسةٌ إلا كان خامِساً ، وما كان
أحدٌ من قدماء أصحاب رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- يشكُّ أن عمّاراً قد وجَبَتْ لهُ الجنّة
في غير موطن ، ولا اثنين ، فهنيئاً لعمّار
بالجنّة ، ولقد قيل :( إنّ عمّاراً مع الحقِّ
والحقُّ معه ، يدور عمّارٌ مع الحقّ أينما دار
، وقاتِلُ عمّار في النّار )000